السيد محسن الأمين
257
أعيان الشيعة
عجبت من معشر بعقوتنا * باتوا نبيطا ، وأصبحوا عربا مثل أبي الصقر ، ان فيه وفي * دعواه شيبان آية عجبا بيناه علجا على جبلته * إذ مسه الكيمياء ، فانقلبا عربه جده السعيد كما * حول زرنيخ جده ذهبا يا عربيا ، آباؤه نبط * يا نبعة كان أصلها غربا كم لك من والد ووالدة * لو غرسا الشوك أثمر العنبا بل لو يهزان هزة نثرت * من رأس هذا وهذه رطبا لم يعرفا خيمة ، ولا وتدا * ولا عمودا لها ، ولا طنبا ولم يكن ابن الرومي في هجائه إسماعيل بن بلبل متجنيا ، بل إن هذا الرجل قد أذله بحيث جعله يعري مشاعره بصورة كاملة ، فإذا بنا امام انسان مظلوم قهره الظلم ، يبيع عصارة فكره ولا يجد من يشتري ، بل إن الممدوحين يحاولون إذلاله وإساءة معاملته ، فهو يقول لإسماعيل بن بلبل هذا : كم نسام الأذى ، كانا كلاب * كم ، إلى كم يكون هذا العقاب كلما جئت قاصدا لسلام * ردني عن لقائك البواب ما كذا يفعل الكرام ، ولا تر * رضي بهذا في مثلي الآداب انا حر ، وأنت من سادة الأحرار * أهل الحجا المصاص اللباب وقبيح بعد الطلاقة والبشر * بذي المجد نبوة واحتجاب وجميل من ابن الرومي ان يذكر ممدوحه بأنه حر مثله ، وليس عبدا يقرع ، أو كلبا يطرد . وهذا الموقف اللا أخلاقي من جانب إسماعيل بن بلبل جعل هجاء ابن الرومي ذا نفحة انسانية ، على الرغم من تعبيره عن ذاتيته فهو يقول : حرمت في سني وفي ميعتي * قراي من دنيا تضيفتها لهفي على الدنيا ، وهل لهفة * تنصف منها ان تلهفتها ؟ كم آهة قد تأوهتها * فيها ، ومن أف تأففتها أغدو ، ولا حال تسفعتها * فيها ، ولا حال تردفتها قبحا لها ، قبحا ، على أنها * أقبح شئ حين كشفتها تعسفتني ان رأتني امرءا * لم ترني قط تعسفتها كددت النفس ، من بعد ما * رفهتها قدما وعففتها لا طالبا رزقا سوى مسكة * ولو تعدت ذاك عنفتها طالبت ما يمسكها مجملا * فطفت في الأرض وطوفتها وناكد الجد ، فمنيتها * وماطل الحظ ، فسوفتها ما أشد احساس ابن الرومي بعذابه في هذه الدنيا التي لم يرد منها الا ما يمسك عليه حياته ، ومع ذلك يأبى الحظ ان يماطله عن طريق أولئك الممدوحين الذين لا يثيبونه على شعره الرائع ، وليس غير هذا الشعر وسيلة لاكتساب الرزق الشحيح ، الذي لا يحصل عليه الا بعد كد ومعاناة . ونستفيد مما تقدم ، ومن كثير غيره ان ابن الرومي كان مظلوما في هجائه لممدوحيه السابقين ، فقد كان موقفهم منه مخزيا متعفنا وقد صدق العقاد حين قال : وأنت تقلب ديوان ابن الرومي فتقرأ فيه عشر قصائد في الشكوى والتذكير والاستبطاء والالحاح والإنذار والهجاء ، إلى جانب قصيدة واحدة في المدح . ويعدد العقاد مواقف الممدوحين المخزية من ابن الرومي ، فإسماعيل بن بلبل يسئ فهم مديحه الرائع فيه ويظنه هجاه ، ومحمد بن عبد الله بن طاهر يهجو شعر ابن الرومي : مدحت أبا العباس اطلب رفده * فخيبني من رفده ، وهجا شعري ويكتب قصيدة في عتاب أبي سهل النوبختي ، فيراها ملقاة في جانب الدار ، وقد خطط في ظهرها بالمداد ، والرياح تتلاعب بها ، ولهذا يقول له : رقعة من معاتب لك ظلت * ولها في ذراك مثوى مهان سطر العابثون فيها أساطير * عفت متنها ، فما يستهان ( 1 ) خط ولدانكم أفانين فيها * أو رجال كأنهم ولدان وقبيح يجوز كل قبيح * وقعة من معاتب لا تصان وكان ابن الرومي يشعر باستبعاد الممدوحين له ، فهم يمنون عليه ان قبلوه في مجالسهم ، واحضروه موائدهم ، ويفرضون عليه وفاء العبد للسيد ، والصنيعة لولي النعمة ، ويظنون انهم كلفوه بالعيش الرغيد ، والظل الظليل ، يقول ابن الرومي في ذلك : إذا امتاحهم اكلة عبدوه * تعبيد رب لمربوبه ( 2 ) يخالون انهم بلغو * ه بالقوت أفضل مطلوبه وانهم حرسوا نفسه * به من غوائل مرهوبه يذيل مضيفهم ضيفه * كملبوسه أو كمركوبه ( 3 ) ولهذا هجا ابن الرومي ممدوحيه السابقين ، وكان يروي انهم غافلون عن شعره : ما خمدت ناري ، ولكنها * ألفت قلوبا نارها خامدة أو هم جاهلون لا يفهمون : ما بلغت بي الخطوب رتبة من * تفهم عنه الكلاب والقرده وما انا المنطق البهائم والطير * سليمان قاهر المرده وقد بالغ العقاد في الدفاع عن موقف ابن الرومي من هجاء ممدوحيه فجعلهم كلهم أو أكثرهم لصوصا ، لا ينقضي على أحدهم في المنصب أشهر أو سنوات حتى يعمر بيته بالمنهوب والمسلوب من أرزاق الرعية الضعفاء ، وليست القضية بهذا التعميم ، كما انها ليست قضية لصوصية الممدوحين بل قضية انسانيتهم المضيعة إزاء هذا الشاعر الذي ذوب عصارة فكره في تمجيدهم ، ولم يقبض منهم الا على هواء ، فعاش مضطهدا كسيرا ، ومات مهضوما مظلوما . من شعره نظرت فاقصدت الفؤاد بسهمها * ثم انثنت عنه فكاد يهيم الموت ان نظرت وان هي أعرضت * وقع السهام ونزعهن اليم وله في وصف السيف وهو نهاية في معناه : يشيعه قلب رواء وصارم * صقيل بعيد عهده بالصياقل
--> ( 1 ) أهي " يستبان " ؟ لأن ما كتبه فيها العابثون محل متن القصيدة ، فهو غير واضح . ( 2 ) امتاحهم أي استمنحهم ، وعبدوه أي استعبدوه . ( 3 ) يذبل هنا بمعنى يهين ، أي أنه يهين ضيفه كما يهين ثوبه أو دابته .